ست العجم بنت النفيس البغدادية
80
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
حالتي جهل وعلم ، فمن الجهل إلى العلم انتقال ، وتغير حاله من الفساد إلى الصلاح فهو وجود واحد ، وعند الكمال يفرق العارف بينهما بتنبيه من اللّه كقوله له : ( إذا كان الوجود الأول عين الوجود الثاني فلا عدم سابق ولا وجود حادث وقد ثبت حدوثك ) والقصد منه التفهيم ليعلم العارف أنه انتقل من مقام إلى مقام بلا تغير وجود . وقوله : ( ثم قال لي : ليس الوجود الأول عين الوجود الثاني ) وأقول : إنه يعني به الوجود في حال الشهود ليس كالوجود في حال عدمه ، فإنه في حال الشهود مثل الوجود في العلم ، وفي حال عدمه ، كالوجود الحاضر المدرك ، وقد سبق إلى الأوهام العامية أن في هذا القول ما يناقض القول الأول ، فإنه في الأول قال : عين الوجود الأول ، عين الوجود الثاني وغاير هاهنا بينهما ، وليس كذلك لأن المراد بالأول تفهيم كما ذكرناه بعد ما سبق من الشاهد القول بعدمين ، فلما تيقن الشاهد أنه عدم واحد ووجود واحد والأحوال تختلف عليه في حال الترقي إلى الزيادة أريد له التعريف بأن الحال في الجهل غير الحال في العلم ، فقيل له في الخطاب الثاني : ( ص ) [ ( ثم قال لي : ليس الوجود الأول عين الوجود الثاني ، ثم قال لي : الوجود الأول كوجود الكليات ، والوجود الثاني كوجود الشخصيات ) ] . ( ش ) لأن الوجود في حال الجهل لنفس الجاهل ، ووجود العارف في معرفته للعليم تعالى ، وقبل كمال العارف أطلق عليه الجهل ، فكاد وجوده لنفسه وعند المعرفة فني وجوده بنزع الاختيار مع تيقنه بالفناء ، فصار وجود الحاضر في الشهود يباين الوجود الذي كان عليه في حال الجهل ، والجهل لا يكون إلا قبل العلم لأنه لم يوجد أحد عالما ، وقد كمل من الناس كثير ، فوجب أن يكون وجود الجهل أولا ووجود العلم ثانيا ، وهذه كلها موارد ترد على العارف قبل بلوغ الغاية لتعرفه بالترقية والزيادة والتحول من مقام إلى مقام ، فليس امتحانه في الخطاب الأول كامتحانه في هذا الخطاب ، فإن هذا تنزيل شريف بجمع المعارف بين الضدين ، فيتوهم الجاهل أنه متناقض وهو خلاف ذلك ، فإن العلم الذي عند العارفين يباين العلم الذي عند العامة . وقوله : ( الوجود الأول كوجود الكليات والوجود الثاني كوجود الشخصيات ) أقول : إنه يعني بقوله كوجود الكليات أي : كعموم الربوبية لأنه اسم يشتمل حكمه على كل موجود وتأييد كلية العامة قوله تعالى : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما [ مريم : 65 ] ، فوجود العبد في حال جهله كلي لعموم اسم الرب له « 1 » ، فالعبد كلي بالنسبة إلى مفهوم اسمه والرب كلي بالنسبة إلى
--> ( 1 ) هو اسم الحق عز اسمه باعتبار نسب الذات إلى الأعيان الثابتة من منشأ جميع الأسماء الربوبية -